أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
127
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
يحدّث إلّا ورأسه منحنٍ وعيناه مسبّلتان . أحببته طفلًا صغيراً بريئاً وأجللت فيه شيخاً كبيراً لما ألمّ به من علم ومعرفة ، حتّى أنّني قلت له ذات يوم : إنّني أتوقّع أن يأتي يوم ننهل فيه من علمك ومعرفتك ونهتدي بأفكارك وآرائك ، فكان جوابه بكلّ أدب واحترام وقد علت وجهه حمرة الخجل : عفواً أستاذ ، فأنا لا أزال وسأبقى تلميذكم وتلميذَ كلّ من أدّبني وعلّمني في هذه المدرسة ، وسأبقى تلميذكم المدين إليكم بتعليمي وتثقيفي . . ثمّ ختم الرجل حديثه بقوله : أتريدني بعد كلّ هذا أن لا أحزن عليه حزن الثاكل ! ولكنّ الذي يبعث لنا السلوى ويمكّننا من الصبر ويسري عن نفوسنا أنّه ترك لنا أسفاراً يحدّثنا فيها . فهو اليوم في كلّ بيت من بيوتنا مقيمٌ بين صفحات كتبه ومؤلّفاته نحدّثه ويحدّثنا عن آرائه وأفكاره العلميّة الخالدة وصوره المطبوعة في قلوبنا . فرحمه اللّه ، ويا ليتنا كنّا أو سنكون بركبه سائرين . وأنهى الحديث بآهة ودمعة انحدرت من عينيه » « 1 » . وننقل كذلك ما يحكيه زميله في مدرسة ( منتدى النشر ) الأستاذ محمّد علي الخليلي : « كانت تجمعنا به مدرسةٌ واحدة ويفرّقنا فارق السن والمرحلة الدراسيّة ، إذ كان حينها في الصف الثالث الابتدائي ، أمّا أنا فكنت في السنة النهائيّة من هذه المرحلة الدراسيّة . وطبيعي - وللأمرين المذكروين - أن لا يكون اتّصال مباشر ، وعلى الرغم من ذلك فقد كان موضع اهتمامنا ومحطّ أنظارنا نحن تلاميذ المدرسة صغاراً وكباراً ، كما كان موضع تقدير واحترام معلّميه ، وأكثر ما كان يلفت نظرنا هو اهتمام المعلّمين به دون استثناء ، فقد كانت له شخصيّةٌ تفرض وجودها وسلوكٌ يحملك على احترامه والنظر إليه نظرةً تختلف عن نظرتك لبقيّة زملائه . كنّا نعرف عنه أنّه مفرطٌ في الذكاء ومتقدّمٌ في دروسه تقدّماً يبزّ فيه زملاءه كثيراً أو ندر نظيره ، وما طرق أسماعنا أنّ هناك تلميذاً في المدارس الأخرى يبلغ بعض ما يبلغه من فطنة وذكاء ، لذا اتّخذه معلّموه نموذجاً للطالب المجدِّ والمؤدّب والمطيع . فما من درس يمرُّ بنا إلّا وكان حديث المعلّم عنه يطغى على ما يُلقّننا من مادّة ، وكان ذلك يزيدنا احتراماً وإعجاباً به ، حتّى أخذ بعض الطلبة يجهد نفسه في تقليده في مشيه « 2 » وفي حديثه وفي جلوسه في الصف لينال ما يناله من احترام وإعجاب . وقد بلغ احترام زملائه له وجميع تلاميذ المدرسة احترامهم لمعلّميهم إن لم يتعدّاه أحياناً ، فهم يتهيّبون التحدّث إليه إلّا إذا شعروا برغبة منه في الحديث وإلّا أن يكون هو البادئ في الحديث . وقد تجاوز هذا الإعجاب به والحديث عنه جدران المدرسة إلى الشارع والسوق والمدارس الأخرى وفي كلّ مكان ، حتى أنّني فوجئت يوماً أنّ أبي يدعوني إلى أن أقتدي به في سلوكي وفي حديثي مع الناس . وقد كان هذا شأنَ كثيرٍ من الآباء مع أبنائهم لو أرادوا لهم النصح . وممّا زاد تعرّفَ الناس عليه هو قيامه بإلقاء الخطب والقصائد التي كان يهيّئُها له معلّموه المتمكّنون من اللغة العربيّة في المواكب الحسينيّة التي تنظّمها المدرسة كلّ عام في يوم عاشوراء ، أو في وفيّات بعض الأئمّة
--> ( 1 ) مجلّة ( صوت الأمّة ) ، س 2 ، العدد ( 13 ) ، رجب 1401 ه ؛ مباحث الأصول ق 2 ، 37 : 1 - 41 ، نقلًا عن المصدر ( 2 ) تنقل والدة السيّد الصدر أنّه صار مضرب مثلٍ لكلّ من يريد أن يَنْصب قدوة لابنه : « هذا زميلك محمّد باقر الصدر في عمرك ، فلتكن مثله » ( انظر : وجع الصدر . . ومن وراء الصدر أم جعفر : 134 ) .